أداؤنا المسرحي على منصات التواصل الاجتماعي: كيف تصنع المنصات صورتنا الذهنية؟
أداؤنا المسرحي على منصات التواصل الاجتماعي: كيف تصنع المنصات صورتنا الذهنية؟
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية، ولم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى مساحات تؤثر في الصورة الذهنية للأفراد والعلامات التجارية على حد سواء. وهنا يبرز سؤال مهم في عالم الاتصالات التسويقية: هل تعكس حساباتنا الرقمية حقيقتنا أم أنها تقدم نسخة محسنة من ذواتنا؟
قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بسنوات طويلة، طرح عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان (Erving Goffman) فكرة لافتة، إذ رأى أن البشر يمارسون نوعاً من الأداء الاجتماعي يشبه الأداء المسرحي. فكل إنسان يختار ما يظهره للآخرين وما يحتفظ به لنفسه، ويقدم جوانب مختلفة من شخصيته بحسب الموقف والجمهور.
ما كان يحدث سابقاً في نطاق محدود داخل الأسرة أو العمل أو المجتمع المحلي، أصبح اليوم يحدث أمام جمهور مفتوح على مستوى العالم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فكل منشور ننشره، وكل صورة نشاركها، وكل تعليق أو مقطع فيديو نقدمه، يساهم في بناء صورة ذهنية رقمية لدى الآخرين. ومع مرور الوقت تصبح هذه الصورة جزءاً من هويتنا الرقمية التي يتفاعل معها الجمهور.
كيف تصنع المنصات صورتنا الذهنية؟
كيف تصنع وسائل التواصل الاجتماعي شخصيتنا الرقمية؟
في البداية نقوم نحن بصناعة المحتوى واختيار الرسائل التي نريد إيصالها. لكن مع الوقت تبدأ المنصة والجمهور بالمشاركة في تشكيل هذه الهوية.
عندما يحقق نوع معين من المحتوى تفاعلاً مرتفعاً، نميل إلى تكراره. وعندما تحصد بعض الأفكار إعجابات ومشاركات أكثر، نستمر في إنتاجها. وهنا تبدأ الشخصية الرقمية بالتشكل تدريجياً وفق ما يفضله الجمهور وما تدعمه خوارزميات المنصات.
هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على الأفراد، بل تمتد إلى العلامات التجارية والمؤثرين وخبراء التسويق وصناع المحتوى، حيث يصبح الحفاظ على الصورة الذهنية الرقمية جزءاً من استراتيجيات الاتصالات التسويقية وإدارة السمعة.
الصورة الذهنية بين الواقع والانطباع
هنا يظهر السؤال الأكثر أهمية:
هل الشخصية التي يراها الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي تمثلنا فعلاً؟
أم أنها النسخة التي تعلمت كيف تنجح على المنصة؟
تشير الباحثة Sherry Turkle إلى أن الحضور المستمر في العالم الرقمي قد يدفع الإنسان إلى العيش داخل أداء اجتماعي متواصل، بحيث يقضي وقتاً طويلاً في المحافظة على الصورة التي يقدمها للآخرين، مما قد يخلق فجوة بين الذات الحقيقية والذات المعروضة رقمياً.
هذه الفجوة لا تظهر بشكل مفاجئ، بل تتشكل تدريجياً عندما يصبح الإنسان معروفاً بصفات لا يعيشها دائماً، أو عندما يتحول الحفاظ على الانطباع إلى هدف أهم من مراجعة الواقع.
الاتصالات التسويقية وإدارة السمعة الرقمية
في عالم التسويق الرقمي، تعد الصورة الذهنية من أهم الأصول غير الملموسة التي يمتلكها الفرد أو المؤسسة. لذلك تهتم استراتيجيات الاتصالات التسويقية ببناء رسائل متسقة تعزز الثقة والمصداقية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في صناعة صورة جذابة فقط، بل في أن تكون هذه الصورة انعكاساً حقيقياً للواقع. فالجمهور اليوم أكثر قدرة على اكتشاف التناقضات بين الرسائل التسويقية والسلوك الفعلي.
ولهذا فإن بناء العلامة الشخصية أو العلامة التجارية الناجحة لا يعتمد على الأداء الرقمي وحده، بل على التوافق بين ما يُعرض على المنصات وما يحدث في الواقع.
بين السمعة والحقيقة
لا تكمن المشكلة في بناء صورة ذهنية لدى الناس، فذلك جزء طبيعي من التواصل الإنساني. المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من صاحبها.
حينها لا يعود الإنسان يستخدم المنصة للتعبير عن نفسه، بل يبدأ بالتكيف مع الشخصية التي صنعتها له المنصة وخوارزمياتها.
ولهذا يبقى السؤال الأهم لكل من يعمل في التسويق أو صناعة المحتوى أو بناء العلامة الشخصية:
هل ما يراه الناس انعكاساً حقيقياً لما نحن عليه؟
أم أننا نقضي وقتاً طويلاً في تطوير شخصية رقمية نجحت في جذب الانتباه أكثر مما نجحت في تمثيل الواقع؟
فالفرق بين السمعة والحقيقة قد يكون صغيراً في البداية، لكنه مع الزمن قد يتحول إلى مسافة كبيرة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي.
