كيف تساعدنا الإجازات على حل الكثير من المشكلات في العمل؟
كيف تساعدنا الإجازات على حل الكثير من المشكلات في العمل؟
عندما تبدوا الأمور كارثية في العمل
اترك كل شيء لبعض الوقت.
ليس بمعنى التخلي عنه، بل بمعنى التوقف عن مطاردته ذهنياً.
أسبوعان،
شهر،
أو حتى أيام قليلة من الانفصال النفسي عن المشكلة قد تصنع فارقاً أكبر من عشرات الاجتماعات والقرارات المتسرعة.
تساعدنا الاجازات في فهم بعض التصورات الذهنية عن العمل وبالذات تلك الصورات الخاطئة، حيث أن الإنقطاع عن العمل يؤدي بالضرورة إلى نتائج إيجابية.
كل القرارات التي يتخذها المستثمرون تحت الضغط تكون قرارات غير سوية، وسرعان ما تتحول القرارات المتعجلة وقت الأزمات والضغط إلى كوارث تتطلب معارك يخوضها الموظف والمستثمر وصاحب العمل لترميم ما وقع فيه لحظة اتخاذ القرار في الوقت الخاطئ.
عندما تنهار الأعمال عليك ان تترك كل شيء جانبا لبعض الوقت ثم تأخذ قسطا من الراحة.
كثيراً ما نقول للمستثمر:
"تعامل مع المشروع وكأن زلزالاً ابتلعه مؤقتاً.
توقف عن التفكير فيه.
لا تحلل الأرقام كل ساعة،
ولا تراقب المؤشرات كل دقيقة.
ثم عد بعد فترة قصيرة وانظر إليه بعين جديدة."
المفاجأة أن كثيراً من المستثمرين لا يلتزمون بهذه النصيحة.
وبعد أسابيع أو أشهر يعودون ليعترفوا بأن جزءاً كبيراً من تصوراتهم أثناء الأزمة كان مبالغاً فيه، وأن العديد من قراراتهم اتخذت تحت تأثير القلق أكثر من المنطق.
هذا ليس مجرد رأي إداري، بل تدعمه أبحاث علم النفس المعرفي. فقد أظهرت مراجعة علمية واسعة نُشرت في مجلة Psychological Bulletin أن الابتعاد المؤقت عن المشكلة فيما يعرف بـ "تأثير الاحتضان الذهني" (Incubation Effect) يساعد على تحسين جودة الحلول واتخاذ القرارات، لأن العقل يتخلص من بعض الافتراضات الخاطئة والأنماط الفكرية المقيدة التي تتشكل أثناء الضغط.
وفي دراسة أخرى حول تأثير التوتر على اتخاذ القرار، وجد الباحثون أن الضغط الحاد يؤثر سلباً على جودة القرارات، خصوصاً عندما تكون القرارات معقدة وتحتاج إلى تقييم عدة عوامل في الوقت نفسه.
المشكلة أن الإنسان تحت الضغط لا يرى الصورة كاملة. يبدأ العقل في تضخيم المخاطر، وتوقع السيناريوهات الأسوأ، والتعامل مع الاحتمالات وكأنها حقائق مؤكدة.
ولهذا قال عالم النفس الحائز على جائزة نوبل دانيال كانيمان:
"لا شيء في الحياة مهم بالقدر الذي تعتقد أنه مهم عندما تفكر فيه."
هذه العبارة تشرح الكثير من أخطاء المستثمرين والمديرين ورواد الأعمال أثناء الأزمات. فعندما يسيطر حدث واحد على تفكيرنا، يبدو وكأنه العالم كله، بينما هو في الواقع جزء من صورة أكبر.
ولا يقتصر الأمر على الاستثمار فقط.
في الوظيفة،
وفي الأعمال الخاصة،
وحتى في المشاريع الشخصية،
يؤدي الانقطاع المؤقت عن العمل إلى إعادة ضبط طريقة التفكير.
يعود الشخص بعد الإجازة أو فترة التوقف ليكتشف أموراً لم يكن يراها سابقاً، ويلاحظ أخطاء في التخطيط، وفرصاً جديدة، وحلولاً كانت مختبئة خلف الإرهاق الذهني.
كثير من الأفكار الكبرى لم تولد أثناء الجلوس أمام شاشة الحاسوب أو داخل قاعات الاجتماعات، بل ظهرت أثناء المشي، أو السفر، أو الإجازات، أو بعد الابتعاد المؤقت عن المشكلة.
وتشير الدراسات إلى أن فترات الراحة تساعد الدماغ على إعادة تنظيم المعلومات وتقليل التحيزات الذهنية التي تعيق التفكير الإبداعي.
ومن المثير للاهتمام أن أبحاثاً حديثة حول بيئات العمل أظهرت أن الموظفين الذين يعانون من ضغط العمل المرتفع يكونون أكثر حاجة إلى فترات الراحة، لكنهم غالباً الأقل حصولاً عليها بسبب شعورهم بضرورة الاستمرار في العمل، رغم أن الأداء وجودة القرارات تتأثر سلباً مع استمرار الإجهاد.
لذلك فإن التوقف المؤقت ليس هروباً من المسؤولية، بل أحياناً يكون جزءاً من المسؤولية نفسها.
فبعض القرارات لا تحتاج إلى معلومات إضافية بقدر ما تحتاج إلى مسافة نفسية.
وبعض المشكلات لا تُحل بمزيد من التفكير، بل بقليل من الابتعاد.
لهذا، عندما تشعر أن المشروع ينهار، أو أن العمل يضغط عليك، أو أن الرؤية أصبحت ضبابية، فقد لا تكون بحاجة إلى قرار جديد.
قد تكون بحاجة فقط إلى أن تتوقف قليلاً.
ثم تعود بعقل أكثر هدوءاً، ورؤية أكثر اتزاناً، وقرارات أكثر نضجاً.
وكما قال الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال:
"معظم مشكلات الإنسان تأتي من عدم قدرته على الجلوس بهدوء في غرفة بمفرده لبعض الوقت."
