ibnghareeb

Articles

Fresh knowledge. Meaningful experiences.

كيف يمكن تحقيق أفضل نتائج الادارة باستخدام البساطة، لأن التعقيد لا يجدي نفعا

 

البساطة ليست ضعفاً في التفكير، بل غالباً علامة على فهم أعمق للمشكلة.


خلال سنوات العمل في تطوير الأعمال وإدارة الاتصالات التسويقية، لاحظت أن كثيراً من المؤسسات لا تعاني من نقص الحلول، بل من تراكمها.


عندما أبدأ العمل مع عميل جديد، أواجه غالباً رد فعل متشابهاً. فبعد أن يشرح مشكلة استمرت أشهراً أو حتى سنوات، أتحدث عن حل يبدو بسيطاً مقارنة بحجم المعاناة التي يعيشها. وهنا تظهر المقاومة الأولى؛ إذ يصعب على البعض تقبل أن مشكلة معقدة يمكن أن يكون علاجها أكثر بساطة مما يتوقع.


هذا الاعتراض مفهوم.

فالسوق مليء بالرسائل التي توحي بأن كل مشكلة تحتاج إلى نظام جديد، أو تقرير جديد، أو اجتماع جديد، أو استشارة جديدة.

حتى أصبح كثير من المديرين يربطون بين البساطة والسطحية، وبين التعقيد والاحتراف.


لكن الواقع العملي يشير إلى نتيجة مختلفة.

في العديد من المشاريع التي شاركت فيها، لم يكن سبب تراجع الأداء هو غياب الاستراتيجيات أو الأدوات، بل كثرة الإجراءات، وتداخل المسؤوليات، وضعف وضوح الأولويات. وعندما تم تبسيط مسار العمل، وتحديد المسؤوليات بوضوح، والتركيز على عدد محدود من المؤشرات الرئيسية، بدأت النتائج بالتحسن بصورة ملحوظة.


وهنا تبرز مفارقة مهمة.

فالعلوم الإدارية التي يتعامل معها البعض وكأنها عالم معقد من المصطلحات والنماذج، تبدأ في حقيقتها من مبادئ بسيطة للغاية.


في المالية مثلاً، تبدأ القصة بفكرة واضحة: إذا كانت الإيرادات أكبر من المصروفات فأنت تربح، وإذا كانت المصروفات أكبر من الإيرادات فأنت تخسر.


وفي التسويق، تبدأ الحكاية بأن تقدم قيمة حقيقية لفئة محددة من الناس، ثم توصل رسالتك إليهم بوضوح، فإذا وجدوا أن ما تقدمه يطابق ما وعدتهم به، عادوا إليك مرة أخرى، وأوصوا بك غيرهم.


وفي التشغيل، الفكرة الأساسية هي تقديم الخدمة المناسبة، بالجودة المناسبة، وفي الوقت المناسب، وبأقل هدر ممكن.


وفي إدارة الموارد البشرية، لا تزال القاعدة كما هي: اختر الأشخاص المناسبين، دربهم جيداً، عاملهم بعدل واحترام، ثم وفر لهم البيئة التي تساعدهم على النجاح.


أما في خدمة العملاء، فالأمر يبدأ من احترام الناس قبل بناء الأنظمة.


هذه ليست أسراراً مخفية.

وليست نظريات معقدة.

إنها صور مختلفة من البساطة.

لكن المفاجأة التي تعلمتها من السوق أن عدداً كبيراً من الشركات لا يفشل بسبب غياب النماذج الإدارية المتقدمة، بل بسبب تجاهل هذه البساطة.


تجد شركة تبحث عن استراتيجية نمو معقدة، بينما هي لا تتابع أرقامها الأساسية.

وتجد مؤسسة تنفق مبالغ كبيرة على التسويق، بينما لم تحدد بدقة من هو عميلها الحقيقي.

وتجد مديراً يبحث عن أحدث نماذج القيادة، بينما فريقه لا يحصل على الحد الأدنى من الوضوح أو التقدير أو المتابعة.


لهذا أقول دائماً إن البساطة ليست مرحلة مؤقتة نتجاوزها، بل أساس نبني عليه كل شيء آخر.

لكن من الخطأ أيضاً الاعتقاد أن البساطة وحدها تكفي إلى الأبد.

فما يصلح لإدارة متجر صغير، لا يكفي لإدارة سلسلة متاجر.

وما يصلح لشركة ناشئة، لا يكفي لمجموعة شركات تعمل في أسواق متعددة.

عند هذه المرحلة تصبح المعرفة المتخصصة ضرورة وليست ترفاً.

وتصبح التحليلات المالية، وإدارة المخاطر، والحوكمة، وقياس الأداء أدوات مهمة للنمو والاستدامة.


ليس لأن العلم يعقد الأمور.

بل لأن حجم المؤسسة وتعقيد الواقع يفرضان مستوى مختلفاً من التفكير والإدارة.

وهنا يظهر الفرق بين العلم الحقيقي والاستعراض المعرفي.

العلم الحقيقي لا يضيف التعقيد من أجل التعقيد.

بل يساعدنا على فهم الواقع بصورة أفضل، واتخاذ قرارات أكثر دقة، وتحويل المبادئ البسيطة إلى أنظمة قابلة للتكرار والتوسع.

فكلما ازداد فهمك للمشكلة، أصبحت قادراً على شرحها بصورة أبسط.

وكلما ازداد نضجك المهني، أصبحت أقل انبهاراً بالتعقيد، وأكثر اهتماماً بالنتائج.


البساطة ليست نقيض العلم.

وليست اختصاراً للطريق.

إنها غالباً النتيجة التي يصل إليها من فهم المشكلة بعمق، وأدرك أن كثيراً من التعقيد الذي نراه في عالم الأعمال ليس جزءاً من الحل، بل جزءاً من المشكلة.

المقال الأصلي على بلوجر

WhatsApp