الاستعمار لم ينتهِ… لكنه أصبح أكثر هدما وهيمنة
الاستعمار لم ينتهِ… بل غيّر أدواته.
بعد عقود من تحرر كثير من الدول الآسيوية والأفريقية من الهيمنة الغربية، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من السيطرة، لكن هذه المرة عبر التكنولوجيا والمنصات والذكاء الاصطناعي.
في أواخر التسعينيات وبداية الألفية، كان المحتوى العربي يعيش نهضة حقيقية.
المنتديات العربية لم تكن مجرد مساحات للتعارف، بل كانت مكتبات حيّة للمعرفة والخبرة والأدب والشعر والنقاشات والثقافة الشعبية.
من الرياضة والسفر إلى التربية والتقنية والعادات الاجتماعية، تشكّل محتوى عربي أصيل صنعه الناس بأنفسهم.
ثم بدأت موجة استحواذ الشركات الكبرى على المنصات والمواقع العربية.
اشترت شركات عالمية هذا المحتوى أو هيمنت على فضائه الرقمي، لكن النتيجة لم تكن تطويره، بل تراجعه واختفاء كثير من أرشيفه وتأثيره.
لاحقًا، جاءت منصات التواصل الاجتماعي لتعيد تشكيل المشهد بالكامل، فانتقل المستخدم من صانعٍ للمحتوى والمعرفة إلى مستهلك سريع داخل خوارزميات تتحكم بما يرى وما يختفي.
واليوم، يدخل الذكاء الاصطناعي كمرحلة أكثر تعقيدًا؛
محاولة لاختزال المعرفة الإنسانية كلها داخل أنظمة تملكها شركات محدودة، تتحكم باللغة والسردية والثقافة وحتى طريقة التفكير.
المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل فيمن يملكها، وكيف تُدار، ولصالح من تعمل.
وعندما تتعامل هذه الأنظمة مع المحتوى الغربي، نجد عمقًا وتحليلًا وثراءً حضاريًا، بينما يُختزل المحتوى العربي أحيانًا في قوالب سطحية لا تعكس عمق اللغة العربية ولا تاريخها ولا تنوع حضارتها.
لهذا، فإن معركة العدالة الرقمية لم تعد رفاهية فكرية، بل قضية ثقافية وحضارية.
السؤال اليوم:
هل سنكون مجرد مستخدمين في عالم يُعاد تشكيله رقميًا؟
أم سنشارك في صناعة المعرفة، وحماية هويتنا، وبناء ذكاء اصطناعي يعكس ثقافتنا وقيمنا ولغتنا؟
الاستعمار لم ينتهِ…
لكنه أصبح أكثر هدما وهيمنة
